فخر الدين الرازي
90
تفسير الرازي
إما أن يكون مقارناً للعزم أو متقدماً ، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر . الحجة الثالثة : أن قوله تعالى : * ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) * يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعاً ، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم ، عليم بما في قلوبهم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء . قلنا : هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء ، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء ، وهو كلام غيره حتى يكون * ( فإن الله سميع عليم ) * تهديداً عليه . الحجة الرابعة : أن قوله تعالى : * ( فإن فاؤا ، وإن عزموا ) * ظاهره التخيير بين الأمرين ، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحداً ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك . الحجة الخامسة : أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق ، بل هو حلف على الامتناع من الجماع مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقداراً معلوماً من الزمان ، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة ، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيراً ، فأما ترك الجماع زماناً طويلاً فلا يكون إلا عند قصد المضارة ، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمراً غير مضبوط ، بين تعالى حداً فاصلاً بين القصير والطويل ، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة ، وذلك لا يوجب البتة وقوع الطلاق ، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء ، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن عبد الله بن مسعود قرأ ، فإن فاؤا فيهن . والجواب الصحيح : أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآناً وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة ، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن ، وأيضاً فقد بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في المدة ، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها .